مشاريع الرحاب السكنية

القوى الاقتصادية شريك في استعادة الدولة

 


من يظن أن معركة استعادة سيادة الدولة في لبنان تُحسم بالخطابات أو بالمواقف السياسية وحدها، يغفل عن حقيقة أصبحت أكثر وضوحًا مع تطور الأحداث: هناك قوة هادئة، لكنها مؤثرة، قررت أن تكون في صلب هذه المعركة، وهي القوى الاقتصادية المنتجة.


هذه القوى لا تبحث عن الأضواء، لكنها تدرك أن لا اقتصاد من دون دولة، ولا استثمار من دون استقرار، ولا مستقبل في بلد يبقى فيه القرار موزعًا بين المؤسسات الشرعية ومراكز القوى. لذلك، فإن وقوفها إلى جانب الدولة ورئيس الجمهورية في مشروع استعادة القرار الوطني ليس اصطفافًا سياسيًا، بل دفاع عن مصلحتها ومصلحة لبنان.


خلال سنوات الانهيار، عندما تبخرت ودائع اللبنانيين، وانهارت العملة الوطنية، وتعطلت مؤسسات الدولة، بقيت المؤسسات الصناعية والزراعية والتجارية والسياحية والخدماتية تقاوم. صحيح أنها تكبدت خسائر كبيرة، لكنها لم تسمح بانهيار كامل للحياة الاقتصادية. حافظت على آلاف فرص العمل، واستمرت في الإنتاج والتصدير، وأمنت الحد الأدنى من الدورة الاقتصادية، فساهمت في حماية المجتمع من انفجار اجتماعي أشد قسوة.


لهذا السبب، فإن هذه القوى تدرك اليوم أن استمرار الواقع السابق لم يعد خيارًا. فهي كانت تدفع ثمن غياب الدولة مرتين: مرة من خسائرها المباشرة، ومرة من هجرة الكفاءات ورؤوس الأموال وانعدام الثقة. ومن هنا جاء اقتناعها بأن استعادة السيادة ليست مطلبًا سياسيًا مجردًا، بل المدخل الإلزامي لأي نهوض اقتصادي حقيقي.


القرار، في نظر كثيرين، قد اتُّخذ. هناك مسار واضح لاستعادة هيبة الدولة وتكريس حصرية القرار بمؤسساتها الشرعية، بالتوازي مع إطلاق ورشة إصلاح تعيد بناء الإدارة والقضاء والمالية العامة. وهذا المسار لا يستند فقط إلى الإرادة السياسية، بل يجد اليوم سندًا متناميًا من القطاع الاقتصادي المنتج الذي بات يرى في نجاح الدولة شرطًا لنجاحه.


في المقابل، تبدو بعض القوى التي اعتادت الاستفادة من ضعف الدولة وكأنها تخوض معركة دفاع عن نفوذها أكثر مما تدافع عن أي مشروع وطني. وهي تحاول، كلما تقدمت الدولة خطوة، أن تثير المخاوف أو ترفع منسوب الضغوط أو تمارس الابتزاز السياسي والإعلامي للحفاظ على مكتسبات راكمتها خلال سنوات الفوضى.


لكن ما تغير أن البيئة الاقتصادية لم تعد مستعدة للدخول في هذه اللعبة. فالمؤسسات التي صمدت في أصعب الظروف لم تعد تقبل بأن يبقى لبنان رهينة الأزمات المفتوحة. وهي تعرف أن الاستثمار يحتاج إلى دولة واحدة، وأن الأسواق لا تزدهر إلا عندما يكون القانون هو المرجعية الوحيدة، وأن الثقة الدولية لا تعود إلا عندما يصبح القرار اللبناني قرارًا سياديًا واضحًا.


لهذا، لا ينبغي الاستهانة بالقوى الاقتصادية. فهي ليست مجرد ممول للاقتصاد، بل أصبحت شريكًا فعليًا في حماية مشروع الدولة. وعندما تلتقي الإرادة السياسية مع الإرادة الاقتصادية، يصبح مشروع استعادة السيادة أكثر رسوخًا وقدرة على الصمود، لأن من يصنع الإنتاج، ويؤمن فرص العمل، ويعيد الثقة بالاقتصاد، يمتلك أيضًا تأثيرًا عميقًا في صناعة المستقبل.


إن المعركة اليوم ليست بين فريقين سياسيين، بل بين من يريد دولة طبيعية يعيش فيها اللبنانيون تحت سقف القانون، ومن يريد الإبقاء على واقع استثنائي يتيح استمرار النفوذ والمصالح الخاصة.


وفي النهاية، تثبت تجارب الدول أن الاقتصادات لا تزدهر في ظل الدويلات، وأن المستثمر يراهن على الدولة لا على موازين القوى. لذلك، فإن التحالف غير المعلن بين الدولة والقوى الاقتصادية المنتجة قد يكون أحد أهم عناصر نجاح المرحلة المقبلة، لأنه يجمع بين الشرعية السياسية وقوة الإنتاج، وبين القرار السيادي والثقة الاقتصادية.


وعندما يلتقي القرار السياسي الحاسم مع الاقتصاد الوطني المنتج، يصبح مشروع استعادة الدولة أقوى من أي محاولة لتعطيله، ويصبح مستقبل لبنان أقرب إلى النهوض منه إلى العودة نحو الفوضى.


"سعد شعنين"

ليست هناك تعليقات